بالأمس كنت مارةً بالقرب من مدينة ما على وجه الأرض كمثلها .. مدينةٌ لا يرتفع بناؤها شبراً واحداً عن الأرض .. سكانها لا يملكون سوى التراب دثاراً،ولا يفهمون سوى الصمت لغةً.
كان هنالك شيء ما جعلني لا أرحل عنها .. شيء شدني لأبقى فيها ولو قليلاً..فما استطعت إلا أن أفعل..
ربما لأنها المدينة الوحيدة التي لا غربة فيها لغريب ولا طمع فيها لطامع ..كيف وهي مدينة لا تسكنها سوى الحجارة ولا يد تعمرها سوى يد الموت ،وليس بها من مشاعر سوى الخوف والوحشة و رغم ذلك أنست بوحشتها واطمأننت للخوف الذي يحوطها ،فمازلت في حيرةٍ من أمر نفسي التي تعيش بنقيضين في داخلها تختبيء من أحدهما وتفر إلى الآخر ..
فيا عجباً لنفسٍ تخاف الموت وتأنس بالمقبرة التي هي بيته!
ويا عجباً لنفسٍ تفر من خوفها من الموت إلى الموت نفسه ..!
أم أنه الإنسان إذا ما ضجر من الحياة في لحظةٍ ما فرّ منها إلى الموت ليأنس به ..!
كنت لا أزال أتنقل ببصري بين هذه القبور أقرأ الأسماء التي كتبت على حجارتها فأجدها لا تحمل أي معنىً كانت لتحمله إذا ما كان حاملها بيننا وألحظ التاريخ الذي انتهوا عنده فلا أعلم إن كان هنالك من فرق بين من أنتهى من دنياه بالأمس ومن كان الدهر كفيلاً بأن يخفي الزمن الذي انتهى عنده صاحبها..وحاولت أن أحادث تلك القبور وأهلها فلم يكن ردها ليأتني إلا صمتاً تحاول أن تخبرني من خلاله أن حياة كحياتهم أعظم من أن تُفهم بالكلام ..حينها لم أجد بداً من أن أحادثهم باللغة التي يفهمونها ولا نفهمها .. فصمت..!
وما كنت حينذاك أحاول أن أفهم الموت الذي صاروا إليه أو أبحث عن سر من أسرار حياتهم التي لا يعرفها سواهم و لم أكن لأجهد نفسي في ذلك كله ،بل لربما كنت أبحث عن شيء ما أفهم من خلاله شيئاً من الحياة التي نحياها .. فما أراني خلصت من ذلك بشيء... غير أني بت لا أوقن بشيء من الحياة سوى نهايتها كما لم أفهم من الموت سوى بدايته..
ووجدت نفسي كما الجنين لا يملك أن يستوعب شيئاً من الحياة التي يعيشها في رحم أمه حتى يموت في ذلك الرحم ليولد في حياة أخرى تُفهمه حياته التي فقدها .
وهكذا نحن أجنة في رحم هذه الحياة التي لن نتمكن من استيعابها إلى أن نموت فيها أو تموت هي فينا ،لنولد في حياة أخرى هي أكثر وضوحاً وأقرب إلى حقيقة الحياة.
ربما تكون الحياة - كما يقولون- أكثر بساطةً من أن نفهمها و ربما أكون أنا أكثر تعقيداً من أن أفهم بساطتها ، ولكني ولا شك ما زلت لاأملك مفتاحاً لفك رموزها .
قضيت قرابة الساعة في تلك المقبرة فما خرجت منها إلا وسكانها قد ازدادوا وتعمر بيت جديد من بيوتها فما كان عماره في باطن الأرض إلا بخراب آخر على ظهرها .. وما كثر عددهم في باطنها إلا بنقص عددنا على ظاهرها وكأننا في كفتي ميزان لا ترجح أحدهما إلا بنقصانٍ من الأخرى .
ما زال منظر ذلك الميت الذي أدخلوه قبره ماثلاً أمام عيني حتى اللحظة..كان جثةً لا حراك فيها لن تلبث أن تصبح مأوىً لديدان الأرض ثم تنتهي لتكون شيئاً من ترابها .. وكأن الإنسان مزيج بين السماء و الأرض فلا يكون إلا بينهما أو بين الحياة والموت فلا يفصل بينهما إلا كفنٌ أبيض ..
فعلام نقتل أنفسنا كمداً على شيءٍ من بضاعة هذه الدنيا ونحن لا بد تاركيه فيها.
ولماذا لا نعبأ بالموت ونحن سائرون إليه ونهتم للحياة وهي سائرة عنا ..!
ويا عجباً لأنفسنا كيف ينسيها الطريق الذي تسير فيه المحل الذي تقصده وهي في سيرها إليه!
غالباً ما نحاول أن نتخلص من أيامنا التي نعيشها بحثاً عن أيامٍ أخرى قد لا نحظى بها والأيام تمضي دون أن تكترث لما نريد فلا يبقى اليوم الذي نحب ولا الذي نكره .
وهاهو يومٌ آخر ينقضي لينقص عمري به يوماً وقد كنت فيما سبق أحسبه يزداد يوماً .
وهكذا انتهيت من زيارتي للموت لأعود مرةً أخرى للحياة إلى أن يأتي يومٌ يزورني الموت فيه فأنتهي حينها من الحياة..
كتبها مساحة بوح في 04:19 مساءً ::
الموت ... معادلة حيوانية حيرت الفلاسفة ... وعصف ذهني مهول .
الموت : نهاية حياة ... وبداية أخرى ...
الموت : ملتقى الأرواح ... ومجمع الحياتيين الاوائل
سبحان من جعل بالموت راحة , ومن الرحمة موتا
أحسنت أم عمارة ... إذا زرت تلكم المدينة الروحانية مرة أخرى , فبلغيهم سلام الأحياء , وبلغيهم أنهم في راحة لو علمها الملوك لقاتلوهم عليها يالسيوف ...!
أصبت فالموت قد يكون نهاية شقاء وبداية راحةٍ أبدية ولكنه أيضاً قد يكون نهاية راحة وبدايةً لشقاء وتعاسة ،ولنا في النهاية أن نختار على أي وجهٍ نريد أن يختم لنا ..
جزيت خيراً على مرورك .. وطهوراً إن شاء الله ..
عجيب
أجل أخية ......
هذا ما شعرت به عندما كنت أمر من تلك المدينة ...ومرورا فحسب كانت تتملكني مشاعر اختلطت بالخوف والرهبة وشئ ما لم أفهمه !!!؟؟
فأتيت أنت و أزلت شيئا من الغمووووض
اللهم نسألك حسن الخاتمة.
ذلك هو الموت وضوح يلفه الغموض .. وحقيقة بها الكثير من الوهم .. سعيدة بك
